أخبار وطنية التوازنات الجديدة... محاولة للفهم... بقلم سامي بن سلامة
نشر في 02 أفريل 2019 (16:38)
بقلم سامي بن سلامة
بعد نجاح القمة العربية يوم 31 مارس 2019 وحضور أبرز الزعماء العرب إلى تونس يدخل الرئيس قايد السبسي على ما يبدو مرحلة جديدة من حياته السياسية. كان نشاط الرئيس في القمة لافتا، إذ تفانى في استقبال جميع القادة بنفسه على مدرج المطار أو في القاعة الشرفية ولم يترك لرئيس حكومته أحدا تقريبا لاستقباله، باستثناء تنازله له عن أمير قطر. ولم يترك له وداع من غادر قبل انتهاء الأشغال من الزعماء إلا لاستحالة مغادرة الإجتماع دون المخاطرة بالتسبب في أزمات ديبلوماسية متعددة.
يطمح قائد السبسي إلى الترشح لعهدة رئاسية ثانية وسيفعل المستحيل من أجل توفير الظروف المناسبة لذلك. طبعا لا زال الوقت مبكرا لإعلان ترشحه، لذلك، فإن من أهم الأولويات التي من المرجح أن يكون قد سطرها لنفسه هو عقد مؤتمر نداء تونس في أفريل 2019 وتنصيب ابنه رسميا على رأسه.
لا يفهم التونسيون عموما تمسك الرئيس بابنه الذي لا يحظى بشعبية واسعة بين السياسيين ولا بين باقي المواطنين ويخشون من نواياه في فرضه كخليفة له.
لكن الواقع يثبت ألا نية لقايد السبسي في استخلاف ابنه ولا بتوليته مناصب مهمة، فكل ما في الأمر أنه كسياسي متمرس يعلم خبايا ”النفسية التونسية“ وكان يخشى على الدوام خيانة المحيطين به. لذلك ناور على الدوام بابنه ”حافظ“ وعمل عن طريقه لطرد وتحييد كل من يشك في نواياه ولم يسلم حزبه لأي ممن كانوا قريبين منه، لكي يضمن نهائيا عدم الانقلاب عليه والمطالبة بإحالته على التقاعد للاستيلاء على مقعده.
واليوم فإن الغاية من المؤتمر المقبل لنداء تونس تبدو واضحة وهي ببساطة ضمان حصول الباجي قايد السبسي على دعم وتزكيات نواب ومستشاري النداء البلديين وباقي المنخرطين الضرورية لترشحه لعهدة رئاسية جديدة ولإدارة وانجاح حملته الانتخابية المقبلة. وحتى إن أجبرته الظروف على عدم الترشح بنفسه، فإن السيطرة على الحزب عن طريق ابنه هي الطريقة الوحيدة التي تضمن له خروجا مشرفا وتحكما تاما في قواعد اللعبة وفي مجرياتها عن طريق اختيار مرشح مؤهل للفوز بالرئاسة قد يكون على الأرجح عبد الكريم الزبيدي السياسي المفضل لديه منذ أن كان وزيرا أولا.
على أن مخططات الباجي قايد السبسي تصطدم اليوم بتغير كبير طرأ على التوازنات السياسية في البلاد، إذ أنه سيصطدم بمرشحين غير متوقعين قادرين على إقلاق حملته أو حملة من سيقرر دعمه. وهي توازانات لا علاقة لها بالنتائج المعلنة لعمليات سبر الآراء والتي لم يعد يصدقها أحد. وكيف لأحد تصديق تصدر رئيس حكومة تجاوز سعر البنزين في عهده جميع الأرقام العالمية أن يتصدر نوايا التصويت ؟ وكيف لجامعي مجهول لا برنامج له ولا قدرة على فهم الواقع أن يحتل فيها المرتبة الثانية؟
فبروز محمد عبو زعيم التيار الديمقراطي واستعادة المنصف المرزوقي لحظوظه وصعود شعبية عبير موسي زعيمة الحزب الدستوري الصاروخي معطيات شكلت مفاجآت الأشهر الأخيرة، كما أن الواقع السياسي المتغير الذي نعيشه سيؤدي إلى بروز شخصيات أخرى سيشكل سطوع نجمها صدمة مدوية للرأي العام الوطني وللطبقة السياسية. لعل من أبرزها اقتناع الجميع في الأسابيع المقبلة بالشعبية الكبيرة التي يكتسبها نبيل القروي صاحب قناة نسمة والأعمال الخيرية الاستعراضية الكثيرة والتي ستجعل منه مرشحا رئاسيا ممكنا.
ومقابل أفول نجم الشاهد نتيجة تعرضه المتوقع لهجمات كبيرة وقاسية مع اقتراب الحملة الانتخابية الرسمية، فإن المرشح المحتمل الباجي قايد السبسي لن يقلقه كثيرا ترشح عبو أو المرزوقي نظرا لتوجههما نحو الخزان الانتخابي النهضاوي. لكن وجود شخصيتين مثيرتين للجدل على الساحة كالقروي وموسي سيشكل قلقا كبيرا له.
والسبب واضح، فهما يشاركانه نفس القاعدة الانتخابية تقريبا ومن شأن تقدمهما ضده أن يمكنهما من قضم عدد كبير من مسانديه وناخبيه وقد بلغ عددهم 1 مليون و289 ألف ناخب في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية سنة 2014.
لذا، فإنه من المرجح أن يسعى بكل جهده إلى الوصول مستقبلا إلى صيغة للتفاهم معهما وهو أمر يظل ممكنا جدا مع نبيل القروي نظرا للعلاقة المتينة التي تربط بين الرجلين. إلا أنه قد يقترن بصعوبات جسيمة فيما يتعلق بعبير موسي وحزبها التي فرضت نفسها كرقم صعب في المعادلة وتوجه سهامها حاليا بدون تمييز إلى الرئيس وحزبه مع كامل منظومة الحكم الحالية.
لو سارت الأمور وفق منطق سياسي يقرأ جيدا الخارطة الانتخابية وموازين القوى، قد نشهد في الأسابيع المقبلة بدايات للتقارب بين نداء تونس والحزب الدستوري الحر وربما لقاء علنيا بين قايد السبسي وموسي بعد جفاء طويل.
ولن يكون إعلان التحالف بين نداء تونس والدستوري الحر بالأمر الغريب، إذا ما قبلت موسي التخلي عن الترشح مقابل دعم قايد السبسي أو من سيرشحه للرئاسة في مقابل توليها رئاسة الحكومة إثر الإنتخابات.